منظمة العمل العربية تعقد نشاطاً في العاصمة دمشق
بتنظيم مشترك بين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والاتحاد العام لنقابات العمال ومنظمة العمل العربية افتُتحت في العاصمة دمشق أعمال الدورة التدريبية الوطنية حول تفتيش العمل والصحة والسلامة المهنية في الجمهورية العربية السورية خلال الفترة 7-8 يناير /كانون الثاني 2026، بحضور معالي السيدة هند قبوات وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، ومعالي الأستاذ فايز علي المطيري المدير العام لمنظمة العمل العربية، والسيد فواز الأحمد، رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال في سورية، والسيد أيمن مولوي، رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها، وممثل أمانة الشؤون السياسية الأستاذ محمد برو، بمشاركة 60 متدرب ومتدربة يمثلون أطراف الإنتاج الثلاثة في الجمهورية العربية السورية.
رحّبت معالي السيدة هند قبوات، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في الجمهورية العربية السورية، في كلمتها خلال الجلسة الافتتاحية بمعالي الأستاذ فايز المطيري، مشيرةً إلى أن هذا النشاط هو الأول للوزارة منذ عام 2009، والذي يُقام برعاية الوزارة واتحاد العمال ومنظمة العمل العربية، مضيفة :“في خطوةٍ نثمّنها عاليًا، لما تحمله من دلالات عميقة على عودة المنظمة للعمل في سوريا بعد سنوات من الانقطاع، وعلى تجديد أواصر التعاون العربي في مرحلة تتطلب تضافر الجهود من أجل البناء والاستقرار”. وأكدت قبوات أن هذا اللقاء يأتي امتدادًا للقاءات السابقة، ولا سيما لقاء جنيف على هامش مؤتمر منظمة العمل الدولية، وقالت: “لمسنا استعدادًا صادقًا من معالي السيد فايز المطيري لدعم بقاء المعهد العربي للصحة والسلامة المهنية في دمشق، ودعمه للعمل الجاد في سوريا”. وفي سياق متصل، شددت معالي الوزيرة على أن “العمل العربي المشترك ضرورة أساسية في هذه المرحلة”، موضحةً أن التعافي وإعادة البناء يتطلبان تكامل الجهود، وكوادر مؤهلة، ونظم تفتيش فعّالة قادرة على تحقيق التوازن بين العمال وأصحاب العمل والحكومة والاستجابة لحاجات سوق العمل المتزايدة. وأشارت إلى أن إعادة تأهيل المعهد العربي للصحة والسلامة المهنية وإحياء دوره العلمي والتدريبي في سوريا تمثل خطوة محورية وأولوية وطنية وعربية لدعم مسار التعافي وتعزيز الحضور السوري ضمن محيطه العربي، مشيرة إلى أن الوزارة تعمل في ظروف استثنائية لتحسين ظروف العمل ودعم مسار التعافي وإعادة البناء، وقد حدّدت الوزارة في هذه المرحلة ثلاث أولويات أساسية: التشغيل والإطار التشريعي وتفتيش العمل.
كما بينت قبوات أن الوزارة تركز حاليًا على توسيع الشراكات العملية في مجالات أساسية، تشمل تعزيز التدريب المهني وربطه بسوق العمل، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير الحوار بين أصحاب العمل والعمال، إلى جانب توسيع التعاون مع غرف الصناعة والتجارة والاتحاد العام لنقابات العمال. كما شددت على أن نجاح هذه الجهود يتطلب مشاركة مستمرة من جميع الأطراف عبر التقييم والتطوير وتشجيع أصحاب العمل على الإسهام في خلق فرص العمل ودعم المشاريع الإنتاجية. واختتمت كلمتها بالقول: “نتوجه بالشكر لمنظمة العمل العربية ممثلة بمعالي السيد فايز المطيري، و للسيد فواز الأحمد رئيس اتحاد العمال، ولكافة الشركاء والحضور، ونجدد التزامنا بالعمل المشترك لبناء مستقبل عمل لائق وعادل ومستدام في سوريا.
استهل معالي الأستاذ فايز المطيري كلمته الافتتاحية بتحية سورية ودمشق بوصفها مدينة التاريخ والحضارات، قائلاً:” دمشق.. المدينة التي تختصر التاريخ، وتنتهي عند أبوابها كل الطرق لتلتقي فيها جميع الحضارات الإنسانية، حيث يوقظ المكان ذاكرةً عميقة في وجدان كل عربي، أحيّي شعباً عرف المعاناة والألم بكل أصنافه، لكنه لم يستسلم ولم ينكسر”، منوهاً إلى أن هذه الزيارة الأولى إلى الجمهورية العربية السورية منذ تولّيه مهام مدير عام لمنظمة العمل العربية، في أول نشاط رسمي للمنظمة منذ عام 2011؛ بعد ما يقارب خمسة عشر عاماً من انقطاعٍ فرضته ظروفٌ عصيبة مرّ بها هذا البلد العريق، معرباً عن ثقته بأن سورية قادرة على استعادة عافيتها ومكانتها بسواعد أبنائها.
وانتقل معاليه للحديث عن البعد العربي، مهنئًا بعودة سورية إلى محيطها العربي، قائلاً: “نهنّئكم، ونهنّئ أنفسنا، بعودة سورية إلى الحاضنة العربية؛ عودةً تليق بتاريخها ودورها المحوري، وتفتح صفحةً جديدة من العمل العربي المشترك”. وربط ذلك بأهمية الدور الاقتصادي لسورية، معتبرًا أنها لم تكن يومًا على هامش الخارطة الاقتصادية العربية، وستعود إلى موقعها الطبيعي بوصفها بلدًا منتجًا، وسوقًا واعدًا، وجسرًا للتكامل الاقتصادي العربي ومركزًا للخبرات والمهارات.
وأضاف المطيري: “تنعقد دورتنا في توقيتٍ بالغ الحساسية والأهمية. لقد خلّفت سنوات الحرب آثاراً عميقة على سوق العمل، وعلى البنى التحتية والخدمات الأساسية، وعلى قدرة المؤسسات على إنفاذ التشريعات ومعايير السلامة والصحة المهنية، ونعرف جميعاً أن الفترات التي تلي الأزمات الكبرى تُصاحبها تحديات متزايدة؛ كاتساع الاقتصاد غير المنظم والفئات الهشة، وتراجع مستويات الامتثال، وارتفاع المخاطر في مواقع العمل، وتفاقم ظواهر مؤلمة في مقدمتها عمل الأطفال ولا سيما في أسوأ أشكاله”. منوهاً إلى أن تفتيش العمل يمثل خط الدفاع الأول عن الإنسان العامل، وعن استدامة المؤسسات.
كما عبّر معاليه عن تقديره لجهود أطراف الإنتاج الثلاثة معتبرًا أن مستقبل العمل في سورية الجديدة لن يُبنى إلا بتكامل فعّال بين أطراف الإنتاج الثلاثة وبحوار اجتماعي مسؤول يوازن بين حماية العمال وتعزيز الإنتاجية والتنافسية ويواكب التحول الرقمي ويعزز المواءمة مع معايير العمل العربية والدولية، مؤكداً أن المنظمة ستقف إلى جانب سورية وستقدم الدعم الفني اللازم، داعيًا إلى توسيع التعاون والشراكات عبر حوار اجتماعي بنّاء لا يقتصر على أطراف الإنتاج الثلاثة بل يمتد ليشمل الجهات الحكومية المعنية والقطاعين العام والخاص ومنظمات المجتمع المدني. وشدد على ضرورة اتخاذ تدابير عاجلة ومتوازنة تشمل تفتيشًا أكثر فعالية وآليات رصد وإحالة وحماية للأطفال العاملين وسياسات حماية اجتماعية تعالج الأسباب الجذرية لعمل الأطفال.
وختم معاليه بالتأكيد على استجابة منظمة العمل العربية لطلب الاتحاد العام لتنظيم دورات تدريبية تنفيذاً لأهداف المنظمة في تحسين ظروف وشروط العمل وتحقيق العدالة الاجتماعية، وأن الدورة التدريبية الحالية نقطة انطلاق للبرامج المقبلة في سورية، حيث أكد: “إن هذه الدورة تمثّل باكورة ما تعهّدنا به من برامج تدريبية في سورية؛ دعماً للكوادر الوطنية، ومساندةً لجهود التعافي، ومواكبةً لتحولات سوق العمل ومتطلبات إعادة الإعمار”.
وأكد السيد فواز الأحمد، رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال في الجمهورية العربية السورية، في كلمته الافتتاحية أن انعقاد هذه الدورة يشكل محطة مفصلية تعكس عودة منظمة العمل العربية إلى سورية بعد سنوات من الانقطاع، ومشيرًا إلى أنها تجسد أهمية الشراكة بين أطراف الإنتاج الثلاثة: وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وأصحاب العمل، والعمال. وثمّن الأحمد دعم منظمة العمل العربية لاستئناف برامجها في سورية، موضحًا أن هذه الدورة ستتبعها دورات أخرى ودعم فني كبير، كما وجّه الشكر لمعالي الوزيرة هند قبوات على التعاون المستمر، ولمعالي الأستاذ فايز المطيري على وقوفه الدائم مع الاتحاد العام وجهوده لإعادة إطلاق نشاط المنظمة في سورية.
وسلّط الضوء على أولوية إعادة بناء منظومة تفتيش العمل على أسس النزاهة والشفافية، معتبراً أن المرحلة الراهنة تتطلب تفتيشًا فاعلًا يحمي العامل ويضمن حقوقه ويعزز العدالة الاجتماعية والحوار الاجتماعي. كما أشار الأحمد إلى أن سورية تتجه اليوم لتأسيس مؤسسات قائمة على دولة القانون والمواطنة.
وفي محور الصحة والسلامة المهنية، شدد الأحمد على أهمية مواءمة التشريعات الوطنية مع التطورات الدولية، مؤكدًا أن الاستثمار في السلامة المهنية ينعكس على استدامة الإنتاج وتقليل التكاليف وتعزيز سمعة المؤسسات. كما تطرق إلى تحديات اجتماعية واقتصادية خلّفتها الحرب، وفي مقدمتها عمالة الأطفال، داعيًا إلى تمكين الأسر اقتصاديًا واجتماعيًا وإطلاق حملات توعية وإشراك الجهات المعنية لضمان أن يكون مكان الطفل المدرسة لا الورشة. وأشار إلى أن المرحلة الحالية تشهد تعديلًا لقوانين العمل في سورية، مشددًا على ضرورة رفع قيمة الغرامات على المخالفين، وإلزامية تسجيل جميع العمال في التأمينات الاجتماعية، وتعزيز صلاحيات مفتشي العمل وضمان استقلاليتهم.
واختتم الأحمد بالتأكيد أن هذه الدورة ليست مجرد تدريب، بل تمثل إعلانًا عن بداية جديدة لإعادة بناء منظومة تفتيش العمل وترسيخ بيئة عمل آمنة وصحية، بالشراكة مع منظمة العمل العربية وسائر الشركاء من أطراف الإنتاج الثلاثة.
بدوره رحب السيد أيمن مولوي، رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها في كلمته بمعالي الأستاذ فايز المطيري وقدم الشكر لمنظمة العمل العربية لعودتها إلى سوريا، منوهاً إلى أن سنوات الحرب أدت إلى ظواهر اجتماعية منها ظاهرة عمالة الأطفال المتفاقمة وتحدث عن أسبابها وآثارها الاجتماعية وطرق معالجتها، مؤكداً على أهمية الدور التكاملي بين المجتمع والدولة للحد من هذه الظاهرة عبر التوعية والالتزام بالقوانين مشيراً أن القانون السوري يمنع استخدام الأطفال قبل 15 عاماً أو إنهاء مرحلة التعليم الأساسي، لافتاً إلى أن الأزمات الناتجة عن الحرب قد أعاقت مسيرة إعداد جيل واعٍ وقادر على قيادة المستقبل، داعياً إلى إعادة الاعتبار لقطاع التعليم كضرورة وطنية ملحة، مطالباً أطراف الإنتاج بالوقوف صفاً واحداً من أجل مستقبل أفضل لسورية بدعم من منظمة العمل العربية التي شكرها على تقديم هذه الدورة التدريبية وأن وقوف المنظمة إلى جانب سورية له تقدير كبير لدى أطراف الإنتاج الثلاثة.
وفي ختام الجلسة الافتتاحية قدم السيد فواز الأحمد، رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال في سورية درعاً تكريمياً لمعالي الأستاذ فايز المطيري المدير العام لمنظمة العمل العربية تقديراً لجهوده المبذولة ودعمه المقدر لأطراف الإنتاج الثلاثة في الجمهورية العربية السورية والدول العربية.
وخرجت الدورة التدريبية الوطنية التي عقدت على مدى يومين في دمشق بمجموعة من التوصيات نذكر أهمها:
- تحديث المنظومة التشريعية بما يضمن مواءمتها مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، وتحقيق الانسجام التام مع معايير العمل العربية والدولية.
- تحديث جدول الغرامات المرتبطة بالمخالفات العمالية لتواكب معدلات التضخم، وضمان فعاليتها كأداة ردع قانونية.
- تعديل النصوص القانونية الناظمة لمهام التفتيش لتنتقل من مبدأ “جواز” اصطحاب مفتش الاتحاد العام لنقابات العمال إلى “الوجوب”، تكريساً لدور الاتحاد كطرف أساسي وأصيل في العملية الرقابية.
- تفعيل آليات تفتيش العمل كأداة وقائية وإرشادية تهدف إلى التوجيه ورفع الامتثال، بدلاً من حصرها في الدور الضبطي التقليدي.
- رفع كفاءة الكوادر الوطنية من خلال تنفيذ برامج توأمة ميدانية تدمج بين الخبرات السورية والمفتشين من الدول العربية، لتبادل الخبرات في مجال معايير العمل العربية والدولية.
- إنشاء “الهيئة الوطنية للتدريب المستمر للمفتشين” لضمان مواكبة المستجدات التقنية والقانونية في بيئة العمل.
- تطوير أنظمة تفتيش متخصصة تستوعب أنماط العمل المستحدثة، مثل (العمل عن بعد، العمل الجزئي، وعقود المنصات الرقمية).
- تشكيل لجان وطنية ثلاثية الأطراف (حكومة، أصحاب عمل، عمال) لدراسة واقع التفتيش ووضع خطط علاجية مشتركة للتحديات الميدانية.
- إشراك منظمات المجتمع المدني في آليات الرصد والإبلاغ لتعزيز الشفافية وتوسيع نطاق التغطية الرقابية.
- إطلاق حملات وطنية مشتركة لنشر ثقافة الحقوق والواجبات العمالية بالتعاون بين الوزارات المعنية، والاتحادات النقابية، وغرف التجارة والصناعة.
- إنشاء منصة إلكترونية وطنية موحدة لاستقبال شكاوى العمال ومعالجة استفسارات أصحاب العمل بكفاءة وسرعة.
- وضع إطار تنظيمي لتحويل القطاع غير المنظم إلى القطاع المنظم، عبر تقديم حوافز تشجيعية تشمل إعفاءات ضريبية لمدة خمس سنوات.
- إلزامية تسجيل العاملين في القطاعات غير المنظمة في التأمينات الاجتماعية لضمان حقوقهم الأساسية.
- إنشاء صندوق وطني تخصصي لتعويض ودعم الأطفال المنخرطين في سوق العمل وتوفير الرعاية اللازمة
- إطلاق برامج تدريب مهني تخصصية للأطفال في السن القانوني تحت إشراف نقابي، تدمج بين التعليم الأكاديمي والتدريب الحرفي (على غرار النماذج الدولية الناجحة)، لتوفير مسار تعليمي وآمن.
- تمويل مشاريع متناهية الصغر مدرة للدخل لصالح أسر العمال الأشد فقراً كبديل اقتصادي مستدام يمنع دفع الأطفال نحو سوق العمل.
وفي الجلسة الختامية وزع معالي الأستاذ فايز علي المطيري المدير العام لمنظمة العمل العربية، والسيد فواز الأحمد، رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال في سورية شهادات التدريب المعتمدة من منظمة العمل العربية على جميع السيدات والسادة المشاركين في الدورة التدريبية وتم تقديم شهادات شكر وتقدير للسيدات والسادة الخبراء والسيدات والسادة أعضاء المكتب التنفيذي في الاتحاد العام لنقابات العمال في سورية .